شكلت بداية القرن العشرين نقطة تحول بارزة في تاريخ صناعة الساعات السويسرية، مع أفول نجم ساعات الجيب لصالح الساعات التي تلتف بأناقة حول المعصم. وأصبحت ساعات المعصم المفضله لدى الجمهور.
ونظراً لطبيعة الإنسان وحركته الدائمة وعمله في مختلف الميادين، سعى صانعو الساعات لتطوير بعض الخصائص الفنيه للتأقلم مع هذه البيئات المختلفة. فبدأت تظهر الساعات العسكرية الصلبة والمجهزة لمؤازرة الجنود في الميدان، والساعات المخصصة للطيارين، والتي عادة ما تتميز بأحجام كبيرة وتعرض مقياس تحويل السرعة.
إلا أن المجال الأبرز لهذه الساعات المتخصصة كان في تطوير ما يعرف بساعات الغوص. فرسغ الرجل معرض دائماً للماء، والذي قد يسبب تسربه إلى علبة الساعة ضرراً للزيوت الموجودة بين التروس أو صدأً للمكونات الداخلية للساعة. ولا يقتصر تسرب الماء إلى داخل علبة الساعة الحاضنة تعرضها المباشر له كالسباحة والغوص، بل قد أيضاً يشمل تعرق الجسم والرطوبة العالية الموجودة في الجو. ويشكل ضغط المياه والذي يزيد مع الغوص في الأعماق خطراً على زجاج الساعة، وبالتالي الحركة الداخلية.
ويذكر التاريخ أن أول ظهور لساعة ذات مقاومة حقيقية للماء كان في عام 1927 عندما أطلقت Rolex طراز Oyster والذي نال شهرةً عالمية عندما لبسته السباحة البريطانية المعروفه مرسيدس غليتز أثناء عبورها للقناة الإنجليزية. تميز هذا الموديل بخاصية قفل مفتاح الساعه، والتي طورتها Rolex حصرياً لمنع تسرب المياه والغبار إلى داخل الساعة. كما سوقت Omega في بداية الثلاثينيات ساعة غطس عرفت باسم Omega Marine تميزت بعلبة خارجية لاحتواء العلبة الأصلية للساعة. وفي أواخر الثلاثينيات من القرن العشرين، طورت Panerai ساعة Radiomir الكبيرة نسبياً لغواصي البحرية الملكية الإيطالية.
وقبل البدء في سرد تاريخ ساعات الغوص، لابد من التذكير ببعض التعريفات التقنية المهمة لهذه النوعية من الساعات.
لا تعني خاصيبة المقاومه للماء Water Resistance أن الساعه مجهزه للغطس!
تشير هذه العبارة إلى أن الساعة مقاومة للرطوبة والتعرق ولديها قدرة تحمل ضغط المياه لغاية ٢٠ متراً أو ما يعادل٢ بار (وحدة قياس ضغط المياه).
ونظراً لاعتماد الغطاس المحترف على ساعة الغوص لتوقيت نزوله وصعوده من الأعماق، وتقديره لكمية الأكسجين في الأسطوانات المحمولة على ظهره، فقد تقرر وضع معايير صارمة لحصول الساعة على اسم "ساعة غوص" Diving Watch وذلك للمحافظة على أمن وسلامة الغطاسين.
وهذه الشروط هي:
• يجب أن تكون الساعة مقاومة للصدمات (Shock Resistant) ومقاومة للمجالات المغناطيسية (Antimagnetic) وذلك لضمان دقتها.
• الحد الأدنى للساعة هو قدرتها على الوصول لعمق 100 متر.
• لابد من وجود دليل على عمل الساعة، ويستلزم ذلك أن تكون الساعة مزودة بعداد لاحتياطي الطاقة (Power Reserve) أو عداد للثواني.
• يشترط لمؤشر الساعة ١٢ سواء كان رقماً عربياً أو رومانياً أو خطاً أو مثلثاً، أن يتمتع بخاصية التلألؤ (Luminescence) ليكون لامعاً في الظلام.
• يلعب الطوق الخارجي (Rotating Bezel) دوراً جوهرياً في تصميم ساعة الغوص وذلك لقابليته في الدوران وبالتالي تعييره لحساب الوقت المتبقي على نفاذ خزان الأكسجين. لذا فإن من الشروط أن يكون الدوران باتجاه واحد وهو عكس عقارب الساعة. كما يتطلب أيضاً أن يكون عليه تفصيل لكل دقيقة من أول ١٥ دقيقة وثم لكل ٥ دقائق على أقل تقدير.
• يفضّل أن يكون سوار الساعة معدنياً، أما إذا كان من القماش أو المطاط فيجب تزويد حلقته المعدنية بقفل مزدوج (Folding Clasp) .
• إذا توفرت كل الشروط السابقة، فإن ساعة الغوص تحصل على شهادة عملية معترفة (ISO 6425) .
وعلى الرغم من وجود الساعات المقاومة للماء منذ عشرينات القرن الماضي، إلا أن المعايير التي سبق ذكرها لساعات الغوص الحديثة بدأت في الظهور بكثرة في الخمسينات، وأصبحت هذه التشكيلات جزءاً رئيساً من إصدارات دور الساعات السنوية.
نستعرض الآن أهم هذه الموديلات الكلاسيكية، والتي أصبحت مع مرور الزمن جزءاً حيوياً من عدة أدوات الغوص. كما حظيت تصاميمها الرياضية بشعبية جارفة وأسهم تنوع المواد المستخدمة فيها في جعلها ساعة يومية لمختلف الرياضات الشبابية.
1. Blancpain Fifty Fathoms 1953
يعتبرها الكثير من المؤرخين أول ساعة غطس تخصصيه فعليه!
بدأت أحداث هذه القصة عندما قام رئيس فرقة الضفادع البشرية الفرنسية (وهي الأعرق في العالم) في سنة 1952 بوضع تصاميم ساعة غوص مميزة، وجاب بعدها ربوع سويسرا بحثاً عن منفذ لهذه الساعة. تم رفض طلبه من جميع كبار الصانعين إلا من شركة صغيرة حينها Blancpain قبلت التحدي وأبدع مهندسوها في إخراج ساعة عملية للغواصين تميزت بعلبة حاضنة كبيرة ٤٢ ملم وقرص وطوق أسودين لخلق تباين تحت الماء ولإظهار لمعان الأرقام. وتم اختيار الاسم Fifty Fathoms "خمسون فرسخ لتبيان قدرة الساعة الغوص حتى عمق ٩٢ متراً، والتي كانت تعتبر الحد الأعلى لسعة مخزون أسطوانة الأكسجين. وصلت شهرة الساعة عنان السماء عندما قام عالم البحار العالمي جاك كوستوو باختيارها لتصوير فيلمه الوثائقي الشهير "العالم الصامت" عام 1957.
2. Rolex Submariner 1953
شكل إصدار Rolex طراز Submariner 1953 بداية للحقبة الحديثة لساعات الغوص الرجالية! ولا يزال هذا الطراز والذي مر عليه نحو 65 عاماً، مرجعاً رئيساً لتصاميم ساعات الغوص. وقد تميز إبان إصداره بشكل رياضي جديد مختلف عن موديلات Oyster مع احتفاظه بكامل مميزات Rolex المشهورة بصلابتها ودقتها إضافة لتحمله لضغط المياه حتى عمق 100 متر. وعلى مر السنين تم إصدار العديد من التحديثات للموديل، كان أبرزها إطلاق سلسلة Deep Sea Dweller القادرة على الوصول لأعماق سحيقة. ويذكر أنها كانت الساعة الأولى للعميل جيمس بوند في أول أربعة أفلام من تلك السلسلة.
3. Tudor Black Bay 1954
بعد سنه من إطلاق Rolex لطراز Submariner 1953، كان لابد من إعطاء شقيقتها الصغرى Tudor الفرصة لدخول هذا المجال. واعتماداً على تقنيات Rolex المتينة، تم إطلاق Black Bay بمواصفات فنية عالية جعلتها من الموديلات المرموقة في هذا المجال. تميزت هذه الساعة بمفتاح كبير نسبياً تزينه وردة تيودور ومثلث أحمر في منتصف الطوق. ويتميز عداد الثواني والساعات بمربعين في نهايتهما مما أعطى الساعة منظراً مميزاً لافتاً. أعادتTudor إطلاق الموديل عام 2012 بنجاح منقطع النظير، وأصبح الطراز الرئيس في قائمة إصداراتها الحالية وطورت التشكيلة الحالية لتشمل آليات ميكانيكية جديده ومعادن وألوان مختلفة.
4. Jaeger-LeCoultre Memovox Deep Sea 1959
في عام 1950، أطلقت Jaeger-LeCoultre موديل Memovox ذو المنبّه Alarm داخل ساعة اليد، والذي ذهب ليصبح طرازاً أسطورياً يضاف إلى تاريخ هذا الصانع العريق. بدأت بعدها موضة هذه النوعية من الساعات، فأضافت Jaeger تعقيدات جديدة متطورة من إلى هذا الطراز، أبرزها Memovox Time Zone بتوقيت ٢٤ مدينة رئيسة حول العالم. إلا أن النجاح الأكبر كان في عام 1959 عندما أطلقت ساعة الغوص Deep Sea من هذه السلسلة، والذي كان أول ساعة غوص ذات منبه رنان تحت الماء. تميزت الساعة بحركة أوتوماتيكية وبتصميم أنيق مع مفتاحين الأول للساعة والثاني للمنبه. والجدير بالذكر هنا أن ساعة Memovox كانت الساعة المفضلة لأشهر فنان على وجه الأرض أيامها .. شارلي شابلن!
5. Longines Legend Diver 1960
اشتهرت Longines بغزارة أرشيفها التاريخي، فعلى الرغم من شهرتها بالساعات الرقيقة الأنيقة، إلا أن ماضيها زاخر بالساعات الميدانية المختلفة. ولابد للغوص من نصيب! ويعتبر طراز Legend Diver واحداً من أكثرها حضوراً نظراً لتصميمه الكلاسيكي وحجمه الكبير نسبياً حينها 42 ملم.
6. Doxa SUB300 1967
تميز إصدار Doxa SUB300 1967 قبل خمسين عاماً بتصاميم فريدة غير معهودة في ساعات الغوص المحترفه سابقاً. فقد اصطبغ القرص وللمرة الأولى بلون برتقالي فاتح، والعقارب جاءت قصيرة مستطيلة ذات مادة لامعة. وتم تطوير الإطار العلوي للساعة بمواصفات حددتها البحريه الأمريكية. أما العلبة فاتخذت شكلاً وسادياً مع سوار فولاذي ذو مسامات عديدة وقابل للتعديل عند نهايته.
7. Zodiac Super Sea Wolf 1968
الإصدار الأول للصانع Zodiac في مجال الغوص كان مع Zodiac Sea Wolf عام 1953 جاعلاً إياها لاعباً مهماً في استحداث معايير ساعات الغوص الحديثة إلى جانب Rolex وBlancpain. ولكن بقي طرازSuper الصادر عام 1968 الأكثر تميزاً وذلك بفضل علبته الحاضنة البالغ حجمها 44 ملم وقدرته للوصول لأعماق 750 مترا، مما جعله الساعة المعتمدة للبحرية الأمريكية US Navy SEALs.
8. Seiko 6159-022 (Tuna Can) 1975
طور الصانع الياباني الشهير ساعته الأولى المخصصة للغطس عام 1965، لكنها عانت من بعض العيوب التصنيعية كان أبرزها ضعف مقاومتها للصدمات. وبعد سنين من التطوير، أطلقت Seiko ساعة الجديدة تميزت بحجم كبير جداً وبتصميم فريد أشبه ما يكون بعلبة سمكة التونه! اكتسبت شعبيه نظراً لسعرها المعقول مقارنة بمثيلاتها واستطاعت الغوص حتى عمق 600 متر بفضل جسمها المزدوج.