وضع الشاب الإماراتي فيصل خوري شغفه بأدوات قياس الوقت ورغبته الشديدة بالتفرد في ساعات يصممها بنفسه، ويحمل قرصها اسمه.
يقول فيصل في مقابلة أجرتها معه مجلة "الساعات والمجوهرات العربية" إن كل شيء بدأ بالمصادفة قبل نحو 15 عاماً، إثر دردشة مع صديق أشار عند سؤاله من أين يشتري ستراته بالقول "أنا لا ارتدي فصلت لغيري، أفضل أن أخيط ستراتي الخاصة". ففكر فيصل في تطبيق هذه الفكرة على أكثر الأشياء التي يحبها: الساعات. سأل نفسه: لماذا عليّ أن أرضى بساعة متاحة لعشرات أو مئات الأشخاص؟ فقرر أن يبدأ بتصميم ساعته الخاصة بناء على ذوقه.
انطلق فيصل بالبحث والاستقصاء عن الوسائل المتاحة لتنفيذ الساعات التي يرغب فيها. أرادها أن تكون انعكاساً قوياً لهويته وأسلوبه الخاص. حدد هدفه منذ البداية ساعات بآلية ميكانيكية حصرية يدوية الملء مصممة خصيصاً له ومشغولة ومزخرفة يدوياً بالكامل، بأقراص جميلة ذات بعد فني وحرفي قيم وعلب حاضنة واسعة تظهر جمال الحركة إذا كانت مفرغة وجمال القرص إذا وجد، وتعرض الوظائف الأساسية والمفيدة. لا يريدها مبهرجة ولكن لا مانع أن تكون مرصعة بالألماس، حجره الكريم المفضل.
لا يرتكز تصميم ساعات فيصل خوري على اقتراح أو تصميم مسبق لاي علامة تجارية، وإن كان لا يخفي إعجابه الشديد بجيرارد جينتا مصمم الساعات الذي ارتبط اسمه بأكثر الساعات شهرة في العالم. ويلفت إلى أنه يحتفظ بساعة Octo Mosaic من المصمم والتي تتميز بقرصها العربي الرائع.
بالنسبة إليه على الساعة أن تكون مذهلة، لا يمكن للعين الخبيرة إغفالها، ولكن في الوقت عينه أنيقة لا تشبه تلك المواكبة لصيحات الموضة. يؤمن بشدة بقوة التصميم الكلاسيكي الذي لا يفقده مرور الزمن رونقه وقيمته.
تضم مجموعة فيصل خوري 15 ساعة لا مثيل لها أنجزت جميعها بالكامل يدوياً، بينها ساعة واحدة صنعت علبتها من السيراميك وأخرى من التيتانيوم والباقي من الفولاذ الصلب. ينبض قلب الساعة بكاليبر صمم خصيصا لفيصل خوري يجري تعديله وفق تصميم الساعة. يغلب على مجموعة فيصل خوري الطراز المهيكل حيث تظهر الآلية الميكانيكية مصقولة ومزخرفة يدوياً بشكل فني مذهل. يتعاون فيصل في الغالب مع Jochen Benzinger في إتمام الكاليبرات.
يعتبر فيصل نفسه انتقائياً فالساعة بالنسبة إليه قطعة فنية متكاملة تشير إلى الوقت. يقول "أنظر إلى الأشكال والألوان بأساليب مختلفة، فالتدقيق بتفصيل التفصيل أمر بديهي وله أسبابه. ساعاتي مرآة لحبي للفنون والابتكار وتقديري للقيمة الإنسانية التي يمثلان".
أول ما يلفت الانتباه في فيصل خوري ساعته، فقد كان يضع حول معصمه خلال اللقاء ساعة قال عند سؤاله عنها "إنها الأحدث والأقرب إلى قلبه حالياً، صنع قرصها من حجر السودالايت قطع وصقل وزخرف يدوياً وركبت عليه الأرقام العربية (الهندية). يمكن مشاهدة الآلية الميكانيكية اليدوية الملء من خلفية العلبة الفولاذية الواسعة صنعت وجمعت وزخرفت أجزاؤها باليد بأسلوب"غلوشه". يشير فيصل في هذا السياق إلى أن الآلية خضعت للتعديل ثلاث مرات لتناسب التصميم الأمر الذي شكل تحدياً حقيقياً له وللحرفيين الذين أنجزوا العمل وتظهر أسماؤهم مع اسمه في قرص الساعة.
عند سؤال فيصل عن جهد وكلفة إنجاز كل ساعة يوضح بداية أنه لا يصنع ساعاته من أجل توفير المال، رغم أن لو هذه الساعات تحمل توقيع أي دار ساعات معروفة لكان ثمنها خمسة أضعاف أو أكثر. عدا أنها لن تكون بالجودة والقيمة الفنية التي تتميز بها ساعاته. يقول: "أنا أقوم بذلك مدفوعاً بشغفي للساعات وليس للتجارة والتباهي الزائف. أنا استمتع بتصميم الساعة على الورق ثم البحث عن الموردين والجهات القادرة على تنفيذ رؤيتي وطلبي، الآلية والعلبة والزخارف والترصيع والأقراص وغيرها الكثير من الأعمال الفنية والمتداخلة والمتشعبة والمرتبطة ببعضها بعض لتتكامل في ساعة رائعة".
يكشف فيصل في معرض حديثة عن ساعاته عن مشروع جديد قيد الإعداد مع صانع سويدي مستقل يدعى GoS يشتهر باستخدام الفولاذ الدمشقي Damascus Steel هو نوع من الفولاذ المستخدم لصناعة نصل السيوف، في صناعة علب وأقراص الساعات وتميز هذا الفولاذ بصلابته وصرامته ومقاومته الاهتراء وبنقوشه الفريدة المحزّمة. ومشروع آخر قيد البحث مع Haldimann وهي ورشة سويسرية عائلية عريقة تأسست عام 1642 تصنع كمية محدودة وحصرية جداً من الساعات التي تنجز باليد بالكامل.
انتقائية فيصل خوري تشمل أيضاً أساور الساعات، فبالنسبة اليه يؤدي السوار من أية مواد صنع. لديه مجموعة من الأساور المصنوعة من جلود النعام والكنغر والغزال والجمل والعجل والأفاعي مثل البايثون والسحالي والتماسيح وأيضاً أساور من جلد الفيل وجلد السمكة اللادغة وهذا الأخير هو من أثمن وأندر وأصعب الجلود المستخدمة على الإطلاق. اضف إليها أساور من الفولاذ بتركيبات مختلفة.
وتلفت في مجموعة فيصل خوري ساعتان بعلب من الفولاذ مزينة بزخارف نباتية شكل إنجازهما تحدياً للفنان الذي أوكل له مهمة إتمام العمل الفني اليدوي الدقيق. يروي فيصل كيف تردد المزخرف بداية، المساحة صغيرة والزخارف دقيقية يجب ان تبلغ حد الكمال لتبهر الناظر اليها بجمالها، فأي خطأ يعني تلف العلبة. ولاضافة المزيد من القوة الى التصميم رصع الإطار العلوي للعلبة بالالماس الأبيض الشفاف، وزودت بآلية ميكانيكية مفرغة ومزخرفة أيضاً بالأسلوب عينه.
لا رغبة لفيصل ببيع أي من ساعاته أو تأسيس علامته التجارية على الرغم من توفر كل الإمكانيات لذلك. واللافت أيضاً أنه لا يملك حساباً على أي من منصات التواصل الاجتماعي؛ لا "انستغرام" ولا "فيسبوك" ولا "سناب تشات"، وذلك برغبة المحافظة على حصرية ونخبوية ما يقوم به، "فتصميم الساعة وصناعتها ووضعها حول الرسغ له خصوصية وقيمة عنده لا يشعر حالياً على الأقل بمشاركة أحد به". في المقابل يكشف نيته جمع كل ما يتعلق بمجموعة ساعاته من صور ومعلومات في كتاب بدأ العمل عليه.
تحمل كل ساعة من ساعات فيصل خوري ذكرى وقصة جميلة. يقول في هذا السياق "الناس تعرف الكثير عن العلامات التجارية التي تختم بها الساعات ولكنها في الغالب لا تعرف أو لا تكترث للجهد الفني والتقني الذي تختزنه الساعة ولا خبايا التصنيع وتفاصيله وجودته".
يأتي فيصل من عائلة لها باع طويلة في تجارة الساعات في العاصمة الإماراتية أبوظبي. يشاركه شغفه بأدوات قياس الوقت أخوه وعدد من أقربائه وأصدقائه إلا أنه الوحيد بينهم الذي ذهب بحبه للساعات حد تصنيع وصناعة ساعاته الخاصة.
يمتلك فيصل خوري مجموعة كبيرة من الساعات من علامات تجارية متنوعة (غير تلك التي تحمل اسمه)، تتبدل القطع فيها وتتغير باستمرار. فقد بدأ يشتري الساعات منذ نحو30 سنة تقريباً. ويروي بفرح كيف أنه كان يمضي أوقاتاً طويلة ممتعة بالنظر إلى الساعات في واجهات المعارض وهو لايزال تلميذاً في المدرسة. يزور كثيراً معارض الساعات التي يملكها أقاربه برفقة والده. ويذكر أول ساعة قيمة Omega Constellation اشتراها له والده، وMille Miglia من Chopard التي تتمتع بقيمة رمزية لديه باعتبارها أول ساعة اشتراها من ماله الخاص. لهاتين الساعتين قيمة معنوية لا يمكن أن تحدد قيمتها بالمال، يقول "المال يعوض لكن الأشياء المعنوية مثل الذكرى الجميلة لا يمكن أن تستبدل بالمال".
إلى جانب هاتين الساعتين تضم مجموعة فيصل خوري طراز Patek Philippe Nautilus وPatek Philippe Annual Calendar Chronograph بالرقم المرجعي 5960 التي تتمتع بآلية ميكانيكية مهمة وقرص كلاسيكي واضح مصنوعة من الفولاذ، وقد أوقفت الشركة إنتاجها.
بالنسبة إلى فيصل ليس كل من يشتري الساعات بكثرة يمكن اعتباره جامع ساعات. يجب أن يكون جامع الساعات على دراية كاملة بما يشتري، لديه ذوق خاص وشغف، تشعره الساعة التي اشتراها بسعادة، يرتدي الساعة ولا يخزنها. يقول "عندما تكثر الساعات لديك يتناقص مقدار الفرح الذي تجلبه، لذلك برأيي يجب تقليل العدد قدر المستطاع".
تعلم فيصل خوري من تصميم الساعة الصبر وتقدير العمل اليدوي والتفاني الذي تحتضنه. تلفته الساعات التي يصممها ويصنعها صانعون مستقلون، وهو يفرق بين المستقل التجاري وبين المستقل الحرفي وهؤلاء قلة.