يعتبر الألمان أول من جعل الساعات صغيرة بما فيه الكفاية لتكون محمولة. يعيد معظم المؤرخين إلى صانع الأقفال والساعات الألماني بيتر هينلين الذي عاش في "نورمبرغ" في القرن السادس عشر الفضل في صناعة أول ساعة يمكن أن تحمل كقلادة أو تعلق بالملابس.
مرت 300 سنة قبل أن يظهر السويسريون تفوقاً على جيرانهم الأوروبيين، فالصانعين الألمان والهولنديين قادوا طرق تطوير الساعات في القرن السابع عشر من خلال سلسلة من الاختراعات مثل زنبرك التوازن(Balance Spring) والسلسلة المتصلة بالعجلة الدوارة (Fusee Chain). ثم جاء دور الصانعيين الانجليز أمثال جورج غراهام وجايمز كوكس وجون هاريسون الذين عبدوا الطريق لتطويرات والإنجازات الميكانيكية الحديثة.
تتوافر الساعات الميكانيكية الالمانية من ثمينة جداً ذي أثمان مرتفعة وأخرى في المتناول، ولكن بغض النظر عن أسعارها تتشارك الساعات الالمانية الميزات الجمالية عينها. يشتهر الألمان بدقتهم وعنايتهم المفرطة بالتفاصيل، والهندسة المتقنة وتقديرهم للخدمة أو الوظائف العملية التي توفرها. وترادف الصناعة الالمانية الهندسة الدقيقة والتصميم المنفعي لا تتوفر الميزات الألمانية هذه فقط في صناعة سياراتهم وانما في الساعات أيضاً. فالساعات الألمانية تميل نحو الابتعاد عن البهرجة والبروز، فغالبية الشركات المصنعة تعتمد فلسفة باوهاوس Bauhausالتي تقدم العملانية والاداء على الزخارف والتزيين. وخلافاً للكثير من الساعات الميكانيكية السويسرية التي تبدو خيالية وأحياناً ذات تصميم خارج على المألوف، تبدو الساعات الألمانية أكثر انضباطاً تركز على البراعة التقنية والتصميم الواضح والنقي.
إلى جانب الاختلاف في الجماليات، تتمايز الآليات الميكانيكية الخاصة بالساعات الألمانية عن نظيرتها السويسرية بوضوح. فغالبية الصانعين الألمان يستخدمون "الفضة الألمانية" وهي مزيج معدني من النكل والنحاس بدل النحاس المطلي بالروديوم في صناعة أجزاء آلية الساعات. تمنح "الفضة الالمانية" ليونة ولمعاناً أكثر من الروديوم الذي يوفر للكايبرات السويسرية اشراقة قوية. اضافة إلى ذلك تستخدم الآليات الميكانيكية الألمانية بالعادة ثلاثة أرباع الصفيحة المعدنية الرئيسة لبناء الحركة، وقد أرسى هذه الميزة فيرديناند أدولف لانغي مؤسس شركة A. Lange & Söhne.
مرت صناعة الساعات الألمانية خلال مسيرتها بمراحل من الازدهار والركود أيضا. ولكن من دون أدنى شك انها تعيش اليوم مرحلة من التطور والنمو التصاعدي الرائع.
تركزت صناعة الساعات الألمانية اجمالاً في غلاشهوتيه (Glashütte) وبــفورزهايم(Pforzheim). ظلت فورزهايم مرتبطة بصناعة المجوهرات والساعات طوال 200 عام. بدأت الرحلة مع جان فرانسوا اورتان عندما منح إذناً ببناء ورشة لصناعة الساعات ضمن ميتم للاطفال بهدف توفير للايتام فرص لتطوير مهاراتهم الحرفية، وأيضاً جلب صناعة جديدة الى المنطقة. وقد ساهم هذا المشروع بضخ خبرات صناعية جديدة، وأصبحت مع مرور الوقت مركزاً رئيساً لصناعة الساعات والمجوهرات على حد سواء. في منتصف القرن التاسع عشر صار لحرفيي صناعة الساعات والمجوهرات في فورزهايم نقاباتهم وافتتحنت المزيد من المدارس وورش صناعة المجوهرات والساعات. عرفت تلك الناحية تأسيس شركتي Laco وStowa.
لكن الشركتين اللتين تأسستا في عشرينيات القرن الماضي اعتمدتا على استخدام الكاليبرات المصنوعة في سويسرا في علب حاضنة المانية الصنع. الا أن Laco كان لها خطط اكبر. فقد افتتح لويدفيك هامل الذي كان مديرا للورشة مصنعاً لصناعة الآليات الميكانيكية عام 1933 اطلق عليه Durowe، مع حلول عام 1940 كان قد بلغ انتاج المصنع نحو 300 ألف كاليبر في السنة. من جانبه يذكر اسم Stowa كرائدة في اطلاق اسلوب Bauhaus في تصميم الساعات التي صنعت علبها وجهزتها بقلوب سويسرية حينها.
مع اندلاع الحرب العالمية الثانية تبدل المشهد، انخرطت المصانع في صناعة الأدوات العسكرية وانتجت مصانع مثلLaco وStowa حتى المصانع في غلاشهوتيه ساعات لصالح سلاح الجو والبحرية الالمانية. دمرت فورزهايم بشكل كبير وانتقل عدد من الصانعين جنوبا الى شرانبرغ حيث كان يقع Junghans أكبر صانع ساعات في ألمانيا الى اليوم.
تعود صناعة الساعات في غلاشهوتيه الى القرن تاسع عشر وبالتحديد عام 1845 عندما قرر فيرديناند أدولف لانغي تأسيس أول وشة لصناعة الساعات بالتعاون مع موريس غروسمان وثم مدرسة لتعليم صناعة الساعات ساهمت في تحويل المنطقة النائية إلى مركز لصناعة الساعات الألمانية. وقبل أن ترخي الحرب الكبرى بثقلها على غلاشهوتيه، كانت المنطقة قد انجزت الكثير؛ تأسست فيها مدرسة لتعليم صناعة الساعات نالت عام 1920 شهرة عالمية خصوصاً بعندما اخترع الفريد هيلفيك أحد أهم الأساتذة فيها التوربيون المحلق. وثم تقديم ريتشارد لانغي عام 1930 زنبرك نتوازن مصنوع من معدن جديد Nivarox.
ولم ينحصر إنتاج ورش غلاشهوتيه فقط على تصميم وصناعة الساعات الميكانيكية ذات التعقيدات الراقية وإنما صناعة الكاليبرات بكميات كبيرة. وهنا لابد من ذكر شركات
Uhren-Rohwerke-Fabrik Glashütte و Glashütter Uhren-Fabrik اللتين تأسستا عام 1926، كانت الأولى تنتج الكاليبرات التي تشغل ساعات الثاني اضافة الى توريد الكاليبرات الى فورزهايم.
بعد الحرب الكبرى الثانية، قسمت ألمانيا وقعت غلاشهوتيه التي أصابها الدمار تحت القبضة الشيوعية، فخمدت الحركة الصناعية في غلاشهوتيه. استمرت حال الركود حتى عام 1989 مع سقوط جدار برلين وتوحيد الالمانيتين.
يعود الفضل في إعادة إحياء صناعة الساعات الراقية الألمانية في غلاشهوتيه وبث الروح والنشاط في نفوس إلى صنّاع الساعات المهرة في المنطقة إلى شخص يدعى غاتر بلوملاين. فبعد توحد الألمانيتين عام 1990، ساهمت رؤيته في اعادة اطلاق شركة ساعات A.Lange &Sohne وهي واحدة من أبرز العلامات التجارية في هذا المجال. انضم إلى مساعي بلوملاين في غلاشهوتيه والتر لانغي حفيد فيرديناند أدولف لانغي. أثمرت المساعي اطلاق أول تشكيلة ساعات A.Lange &Sohne عام 1994، واثبتت للجميع أن صانعي الساعات الألمان قادرين على صناعة الساعات بآليات ميكانيكية معقدة، جميلة التصميم نظيفة التشطيب، متقنة وجذابة تماماً مثل الساعات التي يصنعها الجار السويسري.
وفي سنوات قليلة اصبح الصانع الألماني A.Lange &Sohne يحتسب من بين أعظم وأكفأ صانعي الساعات الراقية في العالم، وشكلت ساعة Lange 1 بنافذة التاريخ المزدوجة الكبيرة في مينائها علامة فارقة مثيرة للإعجاب.
دفعت عودة A.Lange &Sohne باتجاه اعادة بناء العديد من شركات الساعات تشارك قيم ومبادئ صناعة الساعات الألمان الذين استقروا في منطقة غلاشهوتيه في القرن التاسع عشر.
تنتشر في غلاشهوته اليوم ورش عدد من دور الساعات؛ وهي عبارة عن مبان تمزج بين القديم والحديث وترفع عند مداخلها لافتات تشير الى اسم الشركة وغالبا تكون مذيلة بتاريخ ينم عن أصالة وخبرة.
من بين شركات الساعات في غلاشهوتيه واحدة تحمل اليوم اسم Nautische Instrumente Mühle-Glashütte، أسسها روبرن موهل عام 1869 وكانت تشتهر في بناء ادوات دقيقة لقياس الوقت لصالح عدد من شركات الساعات في المنطقة والمدارس تعليم وتدريب على صناعة الساعات فيها. واليوم ترفع هذه الشركة شعار 145 سنة من الخبرة وتشتهر بساعاتها ولاسيما الكرونوميترات البحرية وأجهزة الإبحار ذات الجودة العالمية العالية، إضافة إلى ساعات معصم أنيقة تتراوح بين كلاسيكية وأخرى صلبة خاصة بهواة الرياضات البحرية.
أما شركة Glashütte Original فقد انطلقت عام 1994 وأصبحت جزءاً من مجموعة Swatch العملاقة عام 2000. بعد سنتين من انضمامها إلى Swatch أسس نيكولاس حايك الأب في البلدة مدرسة لتعليم والتدريب على صناعة الساعات كما حصلت الشركة على صرح جديد وحديث وأصبحت علامة فارقة في مجال صناعة الساعات الألمانية عالية الجودة.
وفي غلاشهوتيه أيضاً تبرز شركة Nomos و هي أول علامة تجارية تأسست وتمكنت من الانطلاق في صناعة الساعات في المنطقة بعد توحيد الالمانيتين. قدمت أول أربع ساعات يديوية الملء عام 1992. تصمم وتصنع Nomos كل اجزاء ساعاتها في مصنعها باستثناء الزنبرك الرئيس والجواهر المثبتة. تعكس ساعات الشركة أسلوب باوهاوس Bauhaus بقوة في كل تشكيلات الساعات التي توفر.
وفي غلاشهوتيه أيضاً يبرز اسم BRUNO SÖHNLE، Tutima وهذه الأخيرة تملك إلى جانب مصنعها في مدينة بريمن المخصص لصناعة الساعات الخاصة بالقوات العسكرية الالمانية، تمتلك مشغلاً في غلاشهوتيه. تعود اصول هذه الشركة الى عام 1926.
في درسدن القريبة من غلاشهوتيه يبرز اسم Lange & Hyne أسسها عام 2001 ماركة لانغي وميركو هاين. بعد سنتين انفصل الشريكان مع انضمام هاين الى Nomos، استمر اسم الشركة التي تصنع نحو 50 ساعة فقط في السنة كما هو. وفي الحقيقة ان ماركو لانغي يمثل الجيل الخامس من عائلة عملت في صناعة الساعات الميكانيكية ويتمتع بخبرة مهمة في صناعة الآليات كما درس على امتداد 7 سنوات علم قياس الوقت وهو عضو فيAcadémie Horlogère des Créateurs Indépendants. .
وشهد عام 2008 تأسيس شركة تحمل اسم Grossmann ناعة الساعات الى غلاشهوتيه.
بعيداً عن غلاشهوتيه وفي شرامبرغ هناك شركة ساعات Junghans التي تأسست عام 1861. تعتبر Junghans واحدة من العلامات التجارية الأيقونية الألمانية، تشمل صناعتها تقريبا كل انواع الساعات من الساعات المنبهة إلى ساعات "الكوكو"، وساعات الحائط، وساعات المعصم والساعات الإلكترونية، وساعات الطاولة.
ويبرز أيضاً اسم Kudoke وهي علامة تجارية اسسها صانع الساعات الألماني الفذ ستيفان كودوكي الذي يستخدم مهارات تقليدية في صناعة ساعاته التي تتميز بمينائها المفرغ والمنقوش والمزين يدويا. يتيح تصميمها المتقن لحاملها بالاستمتاع بمشاهدة قلبها النابض والمصقول باتقان.
ويبرز ايضاً اسم Grieb & Benzinger تتخصص بأخذ الآليات التاريخية والنادرة وتجديدها بأسلوبهم الفريد من نوعه قبل وضعها ضمن هيكل من البلاتين الصلب والمواد الثمينة الأخرى. يقوم هيرمين غريب المتخصص بالبحث عن الحركات الكلاسيكية ذات الجودة العالية ومن مصدر مشهور غالباً بوضع أساس هذه العلامة التجارية البوتيكية. ومن ثم تقوم أصابعه بترميم هذه الحركات، لتسمح لها بتأدية دورها كساعات كلاسيكية من أندر الأنواع. غريب صانع ساعات محترف تعلم فن صناعة الساعات بطريقة كلاسيكية، بما في ذلك تمضية بعض الوقت كمتدرب قبل إتمام تدريبه الرئيسي في مدرسة ألمانية لصناعة الساعات في فورزهايم. وتقع ورشته الصغيرة الخاصة لتصنيع الساعات العتيقة في داتزينجن كاسل، وهي صَرْح بُني على الطراز الباروكي في عام 1263.