ابتكر الانسان على مر التاريخ طرقاً عديدة للتعبير عن نفسه وتوجهاته، سواء بالكلمات أو الرسومات، أو حتى بالرموز والإشارات. وتظهر قوة الرموز وتأثيراتها جليةً في الحضارات والثقافات سواء في الزمن الماضي أو في الحاضر، ومن المرجح أن تظل كذلك في المستقبل. فقد اصبحت أشبه بلغة خاصة وأداة فاعلة تختصر الأفكار وتوصل الرسائل المبطنة بسهولة ويسر، من خلال توظيفها بالفنون ومختلف الوسائط التي تعد المجوهرات من أهمها.
وبرع الصاغة على مر العصور بتصميم مجوهرات تحمل بين زخارفها وأحجارها رموزاً دينية تمثل العقائد الايمانية. وقدموا الكثير من الحلي التي تعبرعن الرومانسية والارتباط الزوجي، كما كانت هناك جواهرٌ ترمز للملكية وانتقال السلطة، وتظهر الولاء والانتماء لطبقة أو عائلة معينة. هذا بجانب الأهمية الجمالية المتمثلة بالنقوش المنحوتة على مجوهرات الزينة.
وقد استخدمت الحضارات القديمة الجواهر للتعبير عن انتمائها واعتقاداتها، إلى جانب اعتبارها جزءاً مهماً من تراثها وتقاليدها. فكانت الحضارة الفرعونية تستخدم الحلي للتعبير عن المكانة الاجتماعية إلى جانب كونها قرابين للآلهة، وتمائم لجلب السعد والبركة والشفاء من الأمراض، وذلك من خلال إضافة أشكال ورموز معينة تحمل لديهم معان قيمة. فعين الإله حورس تعد رمزاً فرعونياً خالداً استخدمه المصرييون القدماء في مصوغاتهم للتعبير عن القوة والحفظ من الشرور. كما كانت خنافس الجعران مقدسة لديهم ويتزينون ويتفاءلون بها، لأنهم كانوا يعتقدون بأن هذه الحشرة تجدد نفسها بنفسها، ما يجعل منها رمزاً للخير والبركة الأبدية. لذا وُجدت أنواع مختلفة من المجوهرات التي تحمل أشكال الخنافس منها جعارين القلب، التي توضع مع الميت في كفنه، وجعارين الحظ والزواج وغيرها.
أما زهرة اللوتس المشهورة فكانت ترمز لدى المصريين القدماء إلى الحياة، وتمثل مولد الشمس في (رعّ)، كما كانت هذه الزهرة الخالدة تعبرعن الأمل والوفرة والصفاء، وذلك لأنها تنمو في المياه الموحلة، وتتحول إلى زهرة متفتحة جميلة. وتزخر الحضارة المصرية القديمة بالعديد من العلامات والخطوط المرسومة ذات المغزى كمفتاح الحياة والكف والحروف الهيروغليفية، إلى جانب الأحجار الكريمة كالفيروز واللازورد والمرجان والتي ظلت رمزيتها وتفاصيلها مصدراً ملهما لمصممي المجوهرات على مر القرون وصولاً إلى عصرنا الحالي.
العصر الفيكتوري زخر أيضاً بالكثير من المجوهرات عالية الجودة التي حملت الكثير من الرسائل والرموز، كان من أبرزها الأفعى التي كانت تزين خاتم خطوبة الملكة فكتوريا. فقد كانت الثعابين آنذاك تمثل الخلود والحكمة.
كما كان الرجال يحرصون على إهداء خواتم الأفعى لمحبوباتهم كوعدٌ للوفاء والالتزام والحب الأبدي. وإلى جانب ذلك، كان للهلال والنجوم نصيب من الحلي الفيكتورية، إذ اعتُبر الهلال رمز الروحانية وتمجيداً لآلهة القمر، بينما يتمثل دور النجوم في توجيه مرتديها للإتجاه الصحيح والخيار السليم. أما بالنسبة لحدوة الحصان فتمتعت بالشهرة في المجوهرات كرمز للحظ. فإذا وجهت الحدوة للأعلى، فإن هذا يعني بأن مالكها سوف يتلقى الحظ السعيد. أما إذا تم ارتدائها وهي موجهة للأسفل فهذا يرمز إلى تمني الحظ للآخرين.
كما انتشرت تصاميم المجوهرات المستوحاة من الطبيعية وتحمل معان تختلف بإختلاف ألوان الزهور وأشكال أوراق النباتات وأنواع الحيوانات. ولكنها جميعاً تجتمع في تعبيرها عن الإيجابية والسعادة والحب.
وبالحديث عما تحمله المجوهرات من دور واضح في إبراز العقائد والانتماءات الدينية والمذهبية، فإننا نرى بأن تصاميم المجوهرات لا تخلو من الزخارف والرمزيات التي تمثل أدياناً معينة دون غيرها، فالهلال ولفظ الجلالة منتشر بالمجوهرات التي يضعها المسلمون، بينما يستخدم الصليب في الحلي التي يقبل المسيحيون على اقتنائها، وتتواجد النجمة في الحلي اليهودية، وينطبق ذلك أيضاً على الرموز التماثيل البوذية وغيرها من الاشكال التي لها خصوصيتها العقائدية.
أيضاً معان وهناك ترتبط بكل من الأحجار الكريمة، وكذلك أحجار الحظ الخاصة بكل شهر ميلادي، فلها جماليات تتمثل برمزية ألوانها وذبذبة طاقتها الإيجابية، التي تثري هالة من يرتديها أو تتناسب مع شهر ميلاده. وتؤكد المصادر التاريخية أن الاحجار الكريمة كانت قديماً ولاتزال رمزاً للملكية والثروة وباتت اليوم رمزاً للتألق والتميز، هذا بجانب خصائصها الأخرى التي تزيد من قيمتها المعنوية قبل المادية.
فحجر الالماس مثلاً يرتبط بالشهرة ويرمز للرقي والوجاهة، كما يعد حجر الحظ السعيد في العلاقات الرومانسية الابدية، لذا يتم ترصيع محابس الزواج بالألماس الحال مع اطقم الزواج. أما الزمرد بلونه الأخضرفهو يدل على النمو والخير والبركة ويرمز إلى التفاؤل والثقة بالنفس والحدس السليم. وبالنسبة لحجر الفيروز فمن المتعارف عليه بأنه يرمز للحفظ من العين ودفع الشر، كما أن له دلالات تتعلق بالقوة والسيطرة والإبداع والابتكار. ويتشارك معه الصفير الأزرق في رمزيته التي تمثل الاخلاص والسلطة والعمق والحكمة. ويعد التوباز الأصفر رمزاً للخصوبة والخير المتمثل في لون الشمس والقمح، كما يرمز للراحة والاستقرار. أما الياقوت الاحمر فهو يعد بمثابة تعويذة للحب ورمزاً للفخر والشجاعة والإثارة، بينما يعد اللؤلؤ مثالاً للعفة والبراءة والقلب الطاهر.
وقد أسهمت الرموز باختلاف دلالاتها وألوانها بتشكيل هوية دور المجوهرات العالمية، واقترنت بها لسنين طويلة وأصبحت جزءاً لا يتجرأ من نجاحاتها وانجازاتها. فكان للحيوانات البرية كالنمر والاسد نصيب من المجوهرات الأيقونية، فهي ترمز للمرأة المثيرة والواثقة من نفسها والتي تأسر بذكاء كل ما يعجبها ويلفت نظرها. أما ريش الطاووس، والذي كان مصدراً لإلهام الكثير من المصممين، فهو يرمز للحرية والكبرياء والجمال اللافت للأنظار بانسيابيته وخفته الراقية. بينما يدل رأس الثعبان الذي استخدمته معظم العلامات التجارية، فيرمز للتجدد والبدايات الجديدة والتحولات المثيرة، نسبة لكون الأفعى تغير جلدها باستمرار، كما ترمز أيضا للقوة والإغواء. وبالنسبة للورود والاوراق كالزنبق واوراق البرسيم الرباعية وزهرة الكاميليا فهي ترمز إلى الأنوثة والازدهار والحظ السعيد.