يحضر اللازورد Lapiz Lazuli بشكل رائع في تصاميم دور المجوهرات والصاغة حول العالم. كما دأبت دور ساعات على استعماله في صناعة أقراص ساعاتها مستفيدة من لونه الأزرق الجذاب.
تقول الأسطورة «إن حجر لازورد «المقدس» منح السماء زرقتها الجميلة». وقد اكتسب الحجر قيمته في الحضارات القديمة من بلاد ما بين النهرين إلى فراعنة النيل وإغريق ورومان أوروبا. وبفضل لونه الأزرق الكثيف، وبريقه الغامض، لقب بالذهب الأزرق.
ويعد اللازورد من الأحجار الكريمة الأقدم التي عرفها الإنسان واستخرجها من الأرض، واستعملها للزينة وفي التعاويذ والتمائم. وكلمة لازورد ذات أصول فارسية تمت إضافتها للغة العربية، ثم انتقلت الكلمة من العربية إلى اللاتينية (lazulum) ومنها إلى بقية اللغات الأوروبية.
تعتبر أجود أنواع اللازورد ما كانت زرقته صافية وضاربة إلى الحمرة أو الخضرة، وهي من الأحجار النادرة نوعاً ما. يقدر تاريخ بدء استخراج حجر اللازورد من باطن الأرض إلى قبل 6500 عام حيث كان يستخرج من بدخشان في أفغانستان، وفي أقصى جنوب سيبيريا حول بحيرة «بايكال». ووجدت للحجر آثار في مواقع حضارات قديمة في مصر، إضافة إلى مواقع أثرية تعود إلى ما قبل التاريخ الحجري في شبه القارة الهندية والقوقاز وأفغانستان وحتى موريتانيا.
تاريخياً كان اللازورد أكثر الأحجار قدسية وتفضيلاً لصناعة التمائم والحلي عند قدماء المصريين. واستعمل بسخاء في تزيين وصناعة الجعارين والأكاليل وقلائد الكهنة والفراعنة، وقد عثر على مجوهرات من اللازورد في مواقع أثرية مصرية تعود إلى ما بين 3300 و3100 قبل الميلاد.
وقد قدم المصريون القدماء اللازورد لآلهة الليل و(مات) آلهة الحقيقة والتوازن. كما كان كهنة مصر القديمة يرتدون اللازورد في قلائد وسلاسل ذهبية كدليل على حكمتهم واتزانهم. وقد وُصفت آلهة الشمس (رع) بأن لها شعر من لازورد.
وكان اللازورد يسحق حتى يصير بودرة ناعمة ليستعمل كظلال لعين (حورس)، ذلك الرمز الذي استخدمه المصريون القدماء للحماية وللتعبير عن القوة الملكية. وظللت كليوباترا عينيها الجميلتين ببودرة اللازورد.
لم يقتصر استخدام اللازورد قديماً على الحلي والزينة، فقد استخدمته بعض الشعوب في الطب. حيث كان اللازورد يسحق ويمزج بالحليب لمعالجة التقرحات والبثور الملتهبة.
وقد شكلت أفغانستان المصدر الأساس للازورد الذي استخدم في مصر القديمة وفي حضارات بلاد ما بين النهرين، وحتى الحضارتين الإغريقية والرومانية، وصل إليها جميعاً عبر القوافل التجارية.
ويقال إن مدينة أور الآشورية الواقعة على ضفاف نهر الفرات كانت محطة نشطة لتجارة أحجار اللازورد الآتية في قوافل تجارية من افغانستان. كما استخدم الأشوريون والبابليون هذه الأحجار لصناعة الأختام.
استخدم اللازورد في أوروبا في فن الرسم والزخرفة. فابتداءً من عصر النهضة اعتاد الفنانون والحرفيون سحقه وخلطه مع مكونات أخرى مثل البيض والزيت لصناعة مزيج لوني أزرق رائع لا مثيل له، ولا يبهت مع مرور الزمن. إذ يوفر الحجر لوناً أزرق نادراً عجز الفنانون الوصول إليه إلا باستعمال اللازورد الذي كان يباع بأسعار مرتفعة. وقد انحصر استخدامه في بادئ الأمر في زخرفة الأيقونات والجداريات في الكنائس والقصور الملكية، مثل الرسومات على جدران كاثدرائية القديس اسحاق في سان بطرسبورغ وفي قصر بوشكين. واليوم يستعمل مزيج اللازورد عينه في ترميم اللوحات القديمة. وعند صقل حجر اللازورد وقطعه تفوح منه رائحة خاصة يمكن من خلاها للحرفي أن يعرف كثافة اللون الذي يمكن أن يوفره.
اللازورد قُرصاً للساعة
في ستينات وسبعينات القرن الماضي انعكس الأسلوب «البوهيمي» في صناعة الساعات بالألوان من خلال استعمال الأحجار الصلبة في صناعة أقراص الساعات. وقد امتدت هذه الموضة اليوم إلى الساعات على أنواعها، وعلاماتها التجارية المختلفة من DIOR وHarry Winston وPiaget وDolce & Gabbana وBvlgari وRolex وHermes وOMEGA.
وربما كانت Piaget أول شركة تستعمل الأحجار الصلبة نصف الكريمة غير الشفافة في صناعة أقراص ساعاتها، من لازورد وفيروز وملكيت وأوبال.
وقد أتاح تطوير Piaget في أواخر خمسينات القرن الماضي آلية ميكانيكية فائقة الرقة وإصرارها على مواكبة صيحات الموضة في آن معاً إلى التفرد أيضاً بشيء جديد، فوقع الاختيار على الأحجار الصلبة في أقراص ساعاتها. وقد واظبت على هذا الاختيار حتى الثمانينات عندما تبدلت أذواق الناس.
وتجدد هذا الاهتمام مع رواج ما يعرف بـVintage وهي غالباً طرازات ساعات نالت شهرة واسعة في الماضي، أعادتها الكثير من دور الساعات إلى الواجهة من خلال إعادة إصدارها إما ضمن مجموعات خاصة أو لمناسبات خاصة. في موازاة ذلك تسجل دور المزادات إقبالاً لافتاُ على الساعات التي بها أقراص صلبة خصوصاً ساعات القلادات والاكسسوارات الأخرى.
ورغم جمال الأحجار الصلبة في أقراص الساعات وخصوصاً ألوانها الطبيعية ولاسيما اللازورد، إلا أن صناعتها تشكل تحدياً كبيراً حتى مع التطور التكنولوجي والمهارات الحرفية المتوفرة اليوم. فهذه الأقراص المستديرة فائقة الرقة والأحجار المستخدمة ولاسيما اللازورد ليست صلبة بالقدر الكافي (5 على مقياس موس) وبالتالي تكون عرضة للتفتت والكسر. أضف إلى ذلك تأثرها الشديد بالتغيرات في درجات الحرارة، فعلى سبيل المثال تغيرات الحرارة التي تواجه ساعة حول معصم سيدة مسافرة في الشتاء من موسكو المثلجة الى دبي الدافئة.
فعندما قدمت Richard Mille قبل سنوات مجموعة من 30 ساعة استعملت في أقراصها أحجاراً صلبة، قال ريتشارد ميل إن 90 % من الأحجار تلفت أثناء العمل عليها وتأخر المشروع أشهراً بسبب صعوبة قطع وصقل أحجار بهذه السماكة والهشاشة أيضاً.
وقد تكرر الأمر عينه مع فرانسوا بول جورن الذي كلفه ستيفان باربقييه مولر بمجموعة من 10 ساعات تصنع أقراصها من أحجار صلبة غير شفافة. ورغم أن جورن قرر تطبيق تقنية فلورنتينية تقليدية قديمة تدعى pietra dura تقوم على تركيب أحجار فوق بعضها في القرص والعلبة. فقد شكل الأمر كابوساً حقيقياً للصانع والحرفيين لديه. ولم يتمكن من إنجاز إلا ساعتين فقط من الساعات العشر المطلوبة.
ومن أهم العوامل التي تجعل اللازورد والأحجار الصلبة الطبيعية الأخرى جميلة وجذابة، هو تميز كل منها، إذ لايمكن إيجاد قرصين متشابهين أبداً، وذلك بفضل التركيبة البلورية للأحجار وميزة الطبيعة الحقيقية فيها.